الفصل السادس
أوصاف الزيجة المسيحية
للزيجة المسيحية صفتان :
الأولى : وحدة الزيجة وهى أن يكون للرجل امرأة واحدة ، وللمرأة رجل واحد ، أى منع تعدد الأزواج أو الزوجات . بمعنى أنه لا يجوز زواج رجل مرتبط بامرأة ولا زواج امرأة مرتبطة برجل .
والثانية : عدم انفكاك هذه الزيجة .
أما الصفة الأولى وهى وحدة الزيجة فتقوم بأن يقترن الرجل الواحد بامرأة واحدة لا أكثر . وهذه الوحدة تنافى ( أولا ) تعدد الازواج ( ثانيا ) تعدد الزوجات فالأول وهو اقتران المرأة الواحدة برجال كثيرين فى وقت واحد ( كما كان عند بعض الامم ) ينافى الشريعة الطبيعية لما فى هذا التعدد من المخالفة للغاية المقصودة من الزواج وهى ولادة الأولاد وتربيتهم التربية الصحيحة ، حيث أن قوة النسل تضعف اذ يقل خصب المرأة كثيرا عند اقترانها برجال عديدين ، هذا فضلا عن أن الأولاد فى هذه الحالة يبقون مجهولين ، وعليه يضحى الالتزام باتقان التربية غير محقق .
أما الثانى وهو تعدد الزوجات أى اقتران الرجل الواحد بنساء عديدات فيدل على عدم جوازه ما يأتى : -
(1) ان الله تعالى لما خلق آدم لم يخلق له سوى امرأة واحدة وقل (( لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسدا واحدا )) ( تك 2: 24) فلو أراد الله أن يكون للانسان أكثر من امرأة لخلق له نساء عديدات ، خصوصا وأن الحالة وقتئذ كانت داعية لزيادة النوع البشرى .وقصد الله ظاهر فى خلق امرأة واحدة لرجل واحد ، وهذا دليل على أنه سن أن لا يكون للرجل أكثر من زوجة واحدة .
(2) أن المخلص له المجد فى جوابه على الفريسيين اعلن وحدة الزيجة ومنع تعدد الزوجات ، اذ أوضح أن الناموس الذى وضعه الله تعالى عند البدء هو أن تكون امرأة واحدة لرجل واحد اذ قال انه خلقهما ذكرا وأنثى وأنهما ليسا بعد اثنين بل جسد واحد وأن موسى اذن لهم بالطلاق لقساوة قلوبهم ولكن منذ البدء لم يكن هكذا ( مت 19: 4- 8) .
(3) أن الرسول بولس صرح بذلك بقوله (( ليكن لكل واحد امرأته وليكن لكل واحدة رجلها ... ليس للمرأة تسلط على جسدها بل للرجل . وكذلك الرجل أيضا ليس له تسلط على جسده بل للمرأة ... لا تفارق المرأة رجلها ... ولا يترك الرجل امرأته .. والمرأة مرتبطة بالناموس ما دام رجلها حيا )) ( 1كو7: 2-5و10و11و39) .
(4)ان الله تعالى أعلن فى العهد القديم كراهته للطلاق وتعدد الزوجات ، بقول ملاخى النبى ( 2: 14-16) (( ان الرب هو الشاهد بينك وبين امرأة شبابك التى أنت غدرت بها وهى قرينتك وامرأة عهدك . فاحذروا لروحكم ولا يغدر أحد بامرأة شبابه لأنه يكره الطلاق قال الرب اله اسرائيل )) .
(5) أن تعدد الزوجات مجلبة لاضرار كثيرة عائلية واجتماعية ، ومدعاة للشقاق والانقسام . اذ يضر بغاية الزواج وهى السلام والاتفاق والمحبة فى العائلة لأن الرجل الواحد لا يستطيع أن يرضى كلا من نساءه وأن يتمم رغبة كل منهن . وكل امرأة منهن تجتهد أن تميله الى غرضها ومحبتها أكثر من سواها ، واذا لم يحب نساءه كلهن محبة متساوية تتولد الخصومات والمشاجرات وينتفى السلام والوفاق من العائلة . واذا أحب الرجل أحدى نسائه أكثر من غيرها فانه يميل بالطبع الى أولادها ميلا خاصا . مفضلا اياهم ، مهملا تربية غيرهم من أولاده ، ولا يخفى ما فى ذلك من الاضرار على الهيئة الاجتماعية . أضف الى ذلك أن الرجل الواحد لا يقدر على تأدية الواجب الزوجى الى كل من نسائه فتصبح تلك النساء معرضات لخطر فقدان العفة . فاذن تعدد الزوجات مخالف لسنن الزواج ومضر بالعائلة وبالهيئة الاجتماعية .
والكنيسة مع تحريمها تعدد الزوجات لا تمنع اعادة الزيجة عن الذين يريدون أن يتحدوا بزيجة ثانية رجالا كانوا أو نساء بعد وفاة أحد الزوجين . لأن الموت يحل الرباط بين الزوجين ولا يوجد اذن مانع لعمل رباط جديد بين متعاقدين ، على أن بولس الرسول يفضل عدم زيجة الارامل لمن استطاع حيث يقول (( ولكن أقول لغير المتزوجين وللارامل أنه حسن لهم اذا لبثوا كما أنا ولكن ان لم يضبطوا أنفسهم فليتزوجوا . لأن التزوج أصلح من التحرق . وقوله (( المرأة مرتبطة بالناموس ما دام رجلها حيا ولكن ان مات رجلها فهى حرة لكى تتزوج بمن تريد فى الرب فقط . ولكنها أكثر غبطة ان لبثت هكذا )) ( 1كو7: 8و9و39و40) .
قال القديس اغسطينوس مفسرا آية الرسول فى وصيته للأرامل (( من عادة الناي أن يتباحثوا فى مسألة الزواج الثالث أو الرابع وهلم جرا .وعليه فأجيب باختصار ، لا اتجاسر أن أشجب شيئا فى مثل هذا الزواج ولا أقدر أن أحدد ما لم يحدده الرسول نفسه ، فانه يقول ان المرأة مقيدة بالناموس ما دام زوجها حيا ، ولم يقل الزوج الاول أو الثانى أو الثالث أو الرابع بل قال ان المرأة مقيدة ما دام رجلها حيا فاذا مات زوجها تعتق فلتتزوج بمن تشاء ، لكن فى الرب فقط ، غير أنه أفضل لها ان استمرت على ما هى عليه . فهل يمكن أن يزاد شىء على هذا الحكم أو يستثنى منه شىء مما يتعلق بهذا الأمر ؟ لا أعلم )) .