(ملخَّص من خطاب أثناسيوس للأنطاكيين)
“المسمَّى بطومس أنطاكية”( )
لقد قضى أثناسيوس على كرسيه زمناً سلامياً قصيراً للغاية، ثمانية أشهر قبل أن يأتيه الأمر الصارم بالنفي الرابع.
ولكن أثناسيوس اشتغل هذه الفترة بأقصى جهد لاستتباب أمور الكنيسة ليس في مصر فقط بل امتد عمله وبسرعة إلى خارج مصر، فأرسل خطاباً مجمعياً (صادراً من مجمع الإسكندرية) هاماً للغاية إلى أسقف وشعب أنطاكية بخصوص الاضطراب الحادث هناك.
وأول عمل قام به أثناسيوس هو إقامة مجمع في الإسكندرية لترتيب وتوضيح أمور كثيرة في الكنيسة، وبذل مجهودات سلامية أصبحت الكنائس في أشد الحاجة إليها.
وقد سُمِّي مجمع الإسكندرية هذا الذي حضره 21 أسقفاً “بمجمع القديسين والمعترفين” لأن كلهم حضروا إمَّا من نفي أو تعذيب!!
ولكن للأسف الشديد لم نعثر في جدول أسماء الأساقفة الذين حضروه على اسم سيرابيون (فهل كان مريضاً؟).
وكان من الحاضرين استريوس أسقف بترا (البطراء الآن) ببلاد العرب، أبوليناريوس أسقف اللاذقية، الكاهن بولينوس الذي كان يرعى رعية يوستاثيوس الأسقف الأنطاكي في أثناء نفيه، كذلك يوسابيوس أسقف فرشللي، ووفد يمثِّل لوسيفر أسقف كلاريس، مع أساقفة مصر المشاهير مثل دراكونتيوس (صاحب الرسالة) أسقف هرموبوليس الصغرى (Hermopolis)، وأدلفيوس أسقف أونوفيس، وهؤلاء الأساقفة جميعاً كانوا رسلاً لأثناسيوس في كل مكان أثناء نفيه، وكان معهم ثلاثة أساقفة من آسيا الصغرى.
وكانت أهم الأمور التي عُرضت على المجمع:
1- مشكلة أساقفة مجمع أريمينم الذين يريدون العودة إلى الإيمان المستقيم:
أصبح يوجد الآن عددٌ كبيرٌ من الأساقفة الذين يتأسَّفون من أعماق قلوبهم على ضعفهم وعلى اللامبالاة التي سلكوا بها في مجمع أريمينم، فما هو الوضع الصحيح للتعامل معهم كمبدأ عام يكون من السهل تطبيقه في جميع كنائس العالم؟ (فصل 3و8).
2 - مشكلة انقسامات أنطاكية:
لأنطاكية ارتباطات عقائدية وودية مع الإسكندرية، ومع أثناسيوس بالذات، تجاه “اليوستاثيوسيين”، والآن قد أصبح من الضروري إعطاء نصائح لبولينوس ورعيته في أنطاكية، ثم تقرير وضع سلامي بين الفريقين المتنازعين هناك خاصة بعد تدخُّل لوسيفر لغير صالح السلام.
ولأن عودة ميليتس قد خلقت مشكلة، فبولينوس بسبب احترام إيوزويوس له لأنه كان ذا أخلاق عالية( )، قد أُعطي له - أو رضي - أن يخدم في كنيسة صغيرة في حدود “المدينة الجديدة”، مع أن ميليتس يحتل كنيسة الرسل في المدينة العتيقة على نهر أورونتس Orontes.
3 - اصطلاح الهيبوستاسس (الأقنوم) Hypostasis:
الآن أصبح هناك فريقان يتنازعان على معنى كلمة “هيبوستاسس”( )، فعدد كبير وخاصة الذين تخرَّجوا من جماعة “النصف أريوسية” تعوَّدوا أن يؤيِّدوا بها المعنى: “ ثلاثة هيبوستاسس” في الله.
ولكن الأغلبية لا تزال متمسِّكة بالمعنى القديم الذي يؤكِّد أن في الله “هيبوستاسس واحد”.
فالجماعة الأخيرة صاحبة “الهيبوستاسس الواحد”( ) تتهم السابقين بالأريوسية، والسابقون يتهمون الآخرين بالسابيلية.
فهل من عملٍ يُعمل لكي يمنع الانقسام؟
4 - ظهرت جماعة تريد التقليل من مفهوم التجسُّد إلى اتحاد بين الكلمة وبين فرد ذي بشرية مقدَّسة( ):
في حين أراد آخرون أن يختزلوا العنصر البشري في سر التجسُّد وذلك بأن يختزلوا من بشرية المسيح “النفس العاقلة”.
والعمل المطروح الآن أمام المجمع هو التوفيق والمصالحة، وهو عمل على غاية من المناسبة كما يقول غريغوريوس النزينزي في خطابه لأثناسيوس ولأساقفة الغرب.
وقد تقرَّر في المجمع:
أ - إن كل مَنْ خسروا حقوقهم في شركتهم في الكنيسة الجامعة يمكنهم استعادتها وذلك بالاعتراف بقانون إيمان نيقية. وبجحد كل هرطقة ظهرت في تلك الأيام (الفصل 3،8)، وأن يعترفوا بالروح القدس أنه غير مخلوق وأنه من جوهر الآب والابن ضمن الثالوث (فصل 3).
ب - أمَّا بخصوص الجماعات التي تسكن في المدينة القديمة في أنطاكية أتباع ميليتس الأسقف، فهي عليها أن تتحد مع الجماعات الأخرى (تتصالح بالمعنى الأوضح) (فصل 3) المحسوبين أنهم أتباع يوستاثيوس بقيادة بولينوس.
[ولكن للأسف الشديد لقد تسرَّع لوسيفر وبدون تروِّي، وبالرغم من نصائح أثناسيوس ونصائح يوسابيوس زميله في النفي، أن لا يتدخَّل في شئون أنطاكية، فقد ذهب إلى هناك متحمِّساً للفريق الأرثوذكسي بقيادة الكاهن بولينوس وأخذه ورسمه أسقفاً فأشعل نيران الفُرقة بينه وبين الأسقف ميليتس وإيوزيوس (الأريوسي سابقاً)، فجاء عمل أثناسيوس وتحكيمه الحكيم بعد فوات الوقت!! بسبب حماقة أسقف قليل الدراية بسلامة النفوس وراحتها، سريع المدِّ ليده بالرسامة دون مشورة الروح.]( )
ج - أمَّا بخصوص اصطلاح الهيبوستاسس، فالإيضاحات والاستفسارات المتبادلة (خاصة بين فئات أنطاكية المتنازعة) أقرت أن الفارق في المعنى هو نتيجة عدم فهم، فالذين يقولون “بالهيبوستاسسات الثلاثة” كانوا يقصدون [الثلاثة “أقانيم” الموجودة حقـًّا]، والذين قالوا بالهيبوستاسس الواحد كانوا يستخدمون الاصطلاح الخاص بالجوهر Essence( ) oـsia، والمجمع يقترح ببساطة ضرورة استخدام لغة مجمع نيقية (الهيبوستاسس = الجوهر)( ) لكلا الجماعتين، فإن الابن مساوي للآب في الجوهر، وإن الروح القدس غير مفترق من جوهر الآب والابن، والاعتراف بالثالوث الأقدس ووحدانية جوهر الله.
د - أمَّا بخصوص التجسُّد، فبعد الفحص وجدنا أنه لا يوجد تدبير خاص لإنكار التجسُّد الحقيقي للكلمة عند أي فريق، ولا هناك أي اتجاه يقلِّل من كمال وتمام الناسوت الذي اتخذه المسيح كما ذهب إليه الأريوسيون (فصل 7).
كذلك تحقَّقنا من اعترافهم أن المخلِّص لم يأخذ جسداً خالياً من نفس أو حواس وعقل، لأنه لا يمكن عندما صار الرب إنساناً من أجلنا أن جسده يكون بدون عقل، والخلاص الذي حدث بواسطة الكلمة ذاته لم يكن خلاصاً للجسد فقط بل خلاصاً للنفس أيضاً!!
فهو “ابن الله” حقـًّا، وصار “ابن الإنسان”،
وهو ابن الله “الوحيد”، صار “بكراً” بين إخوة كثيرين.
5 - بخصوص الروح القدس:
كان مجمع نيقية قد اكتفى بالإيمان بالروح القدس بعد ذكر الآب والابن، باعتبار أن لاهوته أمر مفروغ منه لأن العماد المقدَّس يتم باسم ثالوث واحد آب وابن وروح قدس، ولم ينشغل مجمع نيقية بتفصيلات ذلك كما يقول أثناسيوس، لأن الكتاب المقدَّس يشهد بوضوح عن لاهوت الروح القدس.
كما لم يحدث أي نزاع أو إنكار بهذا الخصوص، إلى أن قام مقدونيوس أسقف القسطنطينية كصوت جديد من أصوات الأريوسيين وأذاع هذا الغضب الجديد. ولذلك قرَّر مجمع الإسكندرية لاهوت الروح القدس ضمن وحدة جوهر الآب والابن موضِّحاً الثالوث لأول مرَّة بصورة قاطعة.
ويقول العالِم وليم برايت:
[إن الخطاب المجمعي Synodical Letter هذا، والمسمَّى: بـ“طومس الأنطاكيين” الذي أرسله أثناسيوس إلى أنطاكية، أي للأسقف بولينوس ورعيته، يعتبر من أنبل الوثائق التي خرجت من المجامع طرًّا.]( )
كذلك يقول القديس جيروم عن هذا المجمع:
[إنه بأسلوبه السلامي الحكيم انتشل العالم كله من فك الشيطان.]( )
ويعود روبرتسون مقرظاً أيضاً هذا المجمع ويقول:
[نعم إذا كان حدث هذا حقـًّا ولو بأي مقياس، وأنه فعلاً ألغى الذلة والحقارة التي تسبَّب فيها المجمعان التوأمان في الشرق (سلوقيا) وفي الغرب (أريمينم) سنة 359م، فالكرامة لهذا الإنجاز العظيم هي لأثناسيوس وحده.
لقد أدرك أثناسيوس فعلاً أن الانتصار لا يُستحوذ عليه بالعنوة ولا بضرب الناس على وجوههم، الذين صاروا على استعداد للمصالحة والسلام، حتى لا تفرُّ من أيدينا قضية المسيح وتتباعد بسبب قصفنا للقصبة المرضوضة؛ وكتم الفتيلة المدخِّنة بدل إشعالها! ...]( )
ويُلاحِظ الإنسان من هذا الخطاب الحكيم، ومن شدة الاتزان والهدوء اللذين صيغ بهما، أن أثناسيوس ليس هو المحارب الذي يشغف بالحرب بغية الانتصار وحسب، بل هو محارب يمهِّد الحقل للانتصار ليزرع فيه الوفاق والسلام في حينه الحسن!!
وهذا المجمع السلامي هو في الحقيقة أُولى ثمرات “رسالة المجامع” التي تُعتبر الخطوة الحاسمة التي وضعت أثناسيوس على قمة القوى العاملة لوحدة الشرق المسيحي، هذه القوى التي بعد أن وُهبت رئاسة متميِّزة في “أب الأرثوذكسية”، صارت قادرة بنجاح أن تقاوم فلول الأريوسية التي عادت وانتعشت تحت سياسة الإمبراطور فالنس إلى أن طرحتها نهائياً بعيداً عن الكنيسة!!
وإن هذا المجمع بحكم العدل يعتبر تاجاً لأعمال أثناسيوس من جهة قراراته ومن جهة رسالته إلى أنطاكية، التي لا نخطئ إذا أكَّدنا أنها صادرة منه، ومنه وحده!!
وكان لا يستطيع أحد في الوجود غير أثناسيوس أن يسوس ويلطِّف النار المتقدة في صدور جماعة الأساقفة المجتمعين الذين جاءوا من مرارة النفي والتعذيب، حتى يستطيعوا أن يفرِّقوا في قراراتهم بين متطلّبات زمان الحرب ومتطلّبات زمان السلم.
المصدر: سلام ونعمة من ربنا يسوع المسيح / عزيزي الزائر لا يمكنك مشاهدة الرابط ( لينك التحميل ) وذلك لانك غير مسجل معنا فى المنتدى ... يمكنك التسجيل معنا من خلال هذا الرابط
من فضلك اضغط هنا للتسجيل فى المنتدى